العلامة المجلسي

35

بحار الأنوار

فأدى ذلك إلى القتل من غير قصد إليه ، وكل ألم يقع على سبيل المدافعة للظالم من غير أن يكون مقصودا فهو حسن غير قبيح ، ولا يستحق العوض به ، ولا فرق بين أن تكون المدافعة من الانسان عن نفسه وبين أن يكون عن غيره في هذا الباب . ( 1 ) ثم ذكر نحوا من الأجوبة التي ذكرها الرازي ثم قال : فإن قيل : فما معنى قول فرعون لموسى عليه السلام : " وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين " ؟ وقوله عليه السلام : " فعلتها إذا وأنا من الضالين " وكيف نسب عليه السلام الضلال إلى نفسه ولم يكن عندكم في وقت من الأوقات ضالا ؟ الجواب : أما قوله : " وأنت من الكافرين " فإنما أراد به : الكافرين لنعمتي وحق تربيتي ، فإن فرعون كان المربي لموسى إلى أن كبر وبلغ ، ألا ترى إلى قوله تعالى حكاية عنه : " ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين " . ( 2 ) فأما قول موسى عليه السلام : " فعلتها إذا وأنا من الضالين " فإنما أراد به من الذاهبين عن أن الوكزة تأتي على النفس ، أو المدافعة تفضي إلى القتل ، فقد يسمى الذاهب عن الشئ أنه ضال عنه ، ويجوز أيضا أن يريد إني ضللت عن فعل المندوب إليه من الكف عن القتل في تلك الحال والفوز بمنزلة الثواب . ( 3 ) ثم قال : فإن قيل : كيف يجوز لموسى عليه السلام أن يقول لرجل من شيعته يستصرخه : " إنك لغوي مبين " ؟ الجواب : إن قوم موسى كانوا غلاظا جفاة ، ألا ترى إلى قولهم بعد مشاهدة الآيات لما رأوا من يعبد الأصنام : " اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ( 4 ) " وإنما خرج موسى عليه السلام خائفا على نفسه من قوم فرعون بسبب قتل القبطي ، فرأى ذلك الرجل يخاصم رجلا من أصحاب فرعون واستنصر موسى عليه السلام فقال له عند ذلك : " إنك لغوي مبين " وأراد إنك خائب في طلب ما لا تدركه ، وتكلف مالا تطيقه ، ثم قصد إلى نصرته كما نصره بالأمس على الآخر فظن أنه يريده بالبطش لبعد فهمه فقال له : " أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون

--> ( 1 ) تنزيه الأنبياء : 69 . م ( 2 ) الشعراء : 18 . ( 3 ) تنزيه الأنبياء : 71 - 72 . م ( 4 ) الأعراف : 138 .